Toutes les idées

الهجرة غير النظامية أسبابها وتداعيتها القانونية والاجتماعية

March Program Update 6
Blog
by
أيوب الطهريوي
onJanuary 30, 2026

إن الخطاب الأكاديمي مختلف وعميق جدا في تناول مسألة الهجرة غير النظامية كونها من أعقد وأقدم الظواهر البشرية، ولا نبالغ إذا قلنا بأنها لم تغادر بشكل كلي، طاولات النقاشات السياسية والمجتمعية بشكل أو بأخر لعقود كثيرة وعمرت منذ القدم إلى أن أصبحت في الشكل والصبغة التي اكتسبتها اليوم.
ولا يمكن الحديث عن الهجرة غير النظامية كظاهرة إنسانية لها أسبابها وتداعيتها بدون الإشارة إلى أحد التعاريف المقدمة لها. تعرف الهجرة غير النظامية إلى حركة الأشخاص التي تتم خارج القوانين الوطنية لدولة ذات الصلة بالهجرة المصدرة أو المستقبلة أو دولة العبور، بيد أنه يجب الإشارة إلى أنه لا يوجد تعريف جامع وشامل وكوني متفق عليه عالميا للهجرة غير النظامية. إلا أنه من منظور دول المقصد فهي تشير إلى الهجرة التي تتم خارج الإطار القانوني المتعلق بالدخول والإقامة.
في المقابل ثمة تعريف آخر من بين العشرات من التعاريف التي تمت صياغتها، حيث تعرف المنظمة الدولية للهجرة، الهجرة غير النظامية كونها حركة الأشخاص التي تتم خارج القوانين أو اللوائح أو الاتفاقيات الدولية التي تحكم الدخول إلى دولة أو الخروج منها، بما في ذلك الدخول أو الإقامة أو العمل دون تصريح في بلد ما .
يبدوا مما سبق أن ظاهرة الهجرة غير النظامية تشير إلى كل من حركة الأشخاص غير الموثقين (des personnes sans papiers) أي (تدفقات الهجرة غير النظامية) وعدد المهاجرين الذين قد يكون وضعهم في أي وقت من الأوقات” غير موثق“، (السكان المهاجرون غير النظاميين) كما قد يتغير عدد المهاجرين غير النظاميين في بلد ما ليس فقط نتيجة لتدفق المهاجرين غير النظاميين إلى البلد وتدفقهم إلى الخارج، بل أيضا بسبب التغيرات في وضع المهاجرين الموجودين في البلد، والذي قد يتغير من” مهاجر غير نظامي “إلى” مهاجر نظامي “والعكس صحيح.
يرى العديد من الباحثين على أن عدم الانتظام ليس حالة طبيعية. فوفقا (لغونزاليس إنريكيز) -2010)، فإن ما يسميه” عدم الانتظام “ينبع من العقبات الإدارية التي تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، استيفاء معايير الحصول على الوضع القانوني أو تجديده. فالسياسات التي تجعل تجديد تصاريح الإقامة مشروطا بالعمالة المستقرة تستبعد تلقائيا أولئك الذين لا يستطيعون الوفاء بهذه المتطلبات لأسباب هيكلية أو اقتصادية. في بلجيكا، على سبيل المثال، غالبا ما يجد المهاجرون الذين يحصلون على عقود مؤقتة، مثل العقود المحددة المدة (حتى مع إمكانية التمديد) أو العمل المؤقت، أنفسهم في وضع لا يمكنهم فيه تجديد تصريح إقامتهم أو الحصول على وضع قانوني دائم بناء على اندماجهم في سوق العمل. وتعتبر هذه الأشكال من العقود غير كافية لاستيفاء معايير” الاستقرار “المطلوبة لتجديد تصريح الإقامة. هذا الشرط الإداري يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تسوية وضعهم القانوني، حتى لو كان من المحتمل أن يؤدي عملهم إلى عقد أكثر استقرارا في المستقبل.
وعلاوة على ذلك، فإن مفهوم” الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية “يمكن أن يكون إشكاليا لأنه يرسم تمييزا بين الهجرة النظامية وغير النظامية لا يتوافق مع الواقع، لا توجد أسباب جذرية للهجرة النظامية من جهة، وأسباب جذرية للهجرة غير النظامية من جهة أخرى. يوجد، في البداية، مشروع هجرة وقرار بالمغادرة، ولا يمكن أن تصبح الهجرة - ربما - غير نظامية إلا في تنفيذ مسار الهجرة.
كما يقترح البعض أنه ينبغي النظر إلى المهاجرين كأفراد مستقلين، مدفوعين بدوافع أكثر تعقيدا من الرغبة في الهروب من الفقر. ويوفر مفهوم مشروع الهجرة، الذي يعاد تقييمه وإعادة تشكيله باستمرار مع حدوث الهجرة، فهما أفضل لرحلات المهاجرين. وهو يقترح مراعاة التغيرات التي تحدث أثناء الهجرة، وإعطاء مكانة لأعضاء المجموعة التي ينتمي إليها المهاجر في القرارات التي توجه رحلته أو رحلتها.
للهجرة غير النظامية مجموعة من العوامل تبتدئ مما هو داخلي ونفسي ثم تصل الى عوامل اقتصادية وثقافية ومناخية..، سيما تزايد الضغط على الهجرة بشكل عام، مع وجود سياسيات تقييدية تحد من هجرة الأشخاص إلى بلاد أخرى بطريقة قانونية، وتظهر أسباب الهجرة غير النظامية بالنظر إلى مسببين مهمين وهما: عوامل الجذب السائدة في الدولة المراد الهجرة إليها، وعوامل الطرد الخاصة بالبلد الأصلي للفرد.
تعزى الهجرة غير النظامية إلى جملة من العوامل المتداخلة، تشمل دوافع سياسية ودينية كغياب الاستقرار والاضطهاد، وأسباب اجتماعية كضعف الروابط الأسرية والتمييز، فضلا عن دوافع اقتصادية تتمثل في البطالة وتدني الأجور والمستوى المعيشي. كما يعد تعذر لم الشمل القانوني دافعا إضافيا، يدفع الأفراد إلى سلوك مسارات غير نظامية لتوحيد أسرهم.
إن تفاقم حجم ظاهرة الهجرة غير النظامية، تثير تداعيات قانونية واجتماعية عميقة جدا سواء بالنسبة للمهاجرين أنفسهم أو لدولة المستقبلة أو للمجتمع وسنتحدث هنا على سبيل المثال على حالة المغرب باعتباره بلد منشأ في الأصل والعبور وكذا التغير الراهن لكونه أصبح وجهة ومقصد للعديد من الحالمين في النعيم الموجود والمروج له ببلدان الغرب الغنية. نتج عنه آثار خطيرة تمثلت بالأساس في تنامي شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر من جهة، وتزايد الضغوط الدولية من أجل احترام المعايير والمبادئ المجملة في الرزنامة الدولية لحقوق الإنسان من جهة أخرى.
ووعيا منه بتزايد تدفق أعداد المهاجرين بشكل مستمر فوق إقليمه، عمل المغرب خلال السنوات الماضية على تدبير ملف الهجرة غير النظامية أساسا وفق مقاربة شمولية تأخذ كافة الأبعاد وبتنسيق تام مع جميع المؤسسات والهيئات المختصة الرسمية منها وغير الرسمية على حد سواء، بما يتلاءم مع التزاماته بمواثيق حقوق الإنسان.
في إطار الالتزامات الدولية والجهود المبذولة في مجال الهجرة عموما والهجرة غير النظامية على وجه الخصوص، قام المغرب بوضع ترسانة قانونية شاملة وملائمة للحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين، دون المساس بحقوقهم الأساسية، وتمثل ذلك جليا من خلال إصدار قانون 03-02 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية والهجرة غير المشروعة، وقد نص القانون على جزاءات صارمة في حق من تثبت إدانته في الجرائم المرتبطة بالهجرة غير النظامية. بالإضافة إلى إحداثه لمجموعة من المؤسسات التي تروم إلى تعزيز وتنفيذ الإجراءات الأمنية والعملياتية بطرق مختلفة ومتنوعة.
إن الضمانات القانونية الممنوحة للمهاجرين في المواثيق الدولية يجب أن تترجم وبشكل دقيق في النصوص القانونية الداخلية في كل البلدان نظرا لحساسية هذه الظاهرة فالمهاجر يعد في كل الحالات ضمن الفئات الهشة والضعيفة التي يجب ان تتوفر لها عناية خاصة، نظرا لما يعرفه العالم من تفاقم للنزاعات والحروب والأزمات، إضافة إلى ضرورة تعزيز آليات التعاون والشراكات بين جل الفاعلين بما فيها المساعدات المالية والتقنية والقانونية.