الاستحداثات التكنولوجية وسؤال البعد الإنساني في ممارسات العمل الحدودي

لا شك أن الحماية الأمنية للحدود قد شهدت خلال العقود الأخيرة تحولات وظيفية غير مسبوقة، انتقلت معها الحدود من فضاءات مادية تدار بالوجود البشري المباشر، إلى منظومات رقمية معقدة ترصد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستشعار التلقائي عن بعد، وتحليل البيانات الضخمة، والأنظمة البيومترية.
تِلْكُمُ التقنيات أعادت تشكيل فلسفة الضبط الحدودي وحتى مفهوم الأمن ذاته، وغدت الاستحداثات التكنولوجية الجديدة ركيزة بنيوية في هندسة العمل الحدودي، بما أحدثته من إعادة تشكيل للعلاقة بين الإنسان والآلة، وما أثارته من استشكالات جوهرية بشأن المشروعية، أخلاقيات القرار واتخاذه، ثم حماية الكرامة الإنسانية في الممارسات الأمنية.
إزاء هذا التحول، غدا العمل الحدودي مجالا تتقاطع فيه الاعتبارات السيادية مع الالتزامات الحقوقية، وتتداخل فيه ضرورات الأمن الوطني مع مقتضيات الأمن الإنساني. من ثم ينصرف هذا العمل إلى استجلاء أثر الاستحداثات التكنولوجية الحديثة في إعادة تشكيل ممارسات العمل الحدودي، باستنباط السبل الكفيلة بإقامة معادلة متوازنة/مواءمة تجمع بين ضرورات الفعالية الأمنية ومقتضيات البعد الإنساني، بما يصون الحقوق والحريات، ويؤمن للدولة مشروعية الحماية والسيادة في ظل المتغيرات الأمنية.
التحول التكنولوجي في ممارسات العمل الحدودي كرهان جديد لإعادة تشكيل المقاربة الأمنية
لا شك أن العمل الحدودي قد أضحى أحد أكثر المجالات تأثرا بالثورة التكنولوجية، وذلك بعدما تجاوزت الحدود وظيفتها التقليدية القائمة على الخطوط المادية الفاصلة بين سيادة دولة ونظيرتها، لتغدو فضاءات ذكية تدار بمنظومات رقمية متشابكة ومدعومة بتقنيات "الذكاء" الحديث، قادرة على إنتاج أمن الدولة القومي.
لقد أدى التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، الأنظمة البيومترية، الطائرات غير المأهولة، الأقمار الصناعية، والمستشعرات الذكية، وتحليل البيانات الضخمة، إلى إحداث انتقال نوعي في فلسفة إدارة الحدود، قوامه الانتقال من الأمن القائم على "رد الفعل" إلى الأمن الاستباقي القائم على منطق "الفعل"، أي اتخاذ قرارات بناء على التنبؤ بالمخاطر المحتملة، وتحليل الأنماط السلوكية قبل تحولها إلى تهديدات فعلية.
هذا الدور والنمط من عمل التكنولوجيا، أضحى عنصرا رئيسا في العمل الحدودي، بعد ما كان مساعدا، وأصبح أحد محدداته الجوهرية في إنتاج القرار الأمني وتنفيذه.
كما أن هذا التحول الوظيفي للتكنولوجيا في تأمين الحدود، لا يقتصر على حماية الإقليم من الأخطار العسكرية المعهودة (كالإرهاب، الجريمة المنظمة، الهجرة غير النظامية، الاتجار بالبشر والتهريب)، وإنما اتسع ليشمل أنماطا جديدة من التهديدات العابرة للحدود، على رأسها الجرائم السيبرانية والإرهاب الرقمي.
هذه التهديدات الجديدة فرضت على الدول تبني مقاربات أمنية أكثر مرونة وقدرة على استيعاب التعقيدات الأمنية الجديدة لاحتوائها داخل الاستراتيجيات الجديدة. ومن ثم أصبحت التكنولوجيا تمثل الأداة الأكثر فاعلية في تعزيز القدرة على الرصد، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، وإدارة المخاطر، بما يحقق مستويات أعلى من الكفاءة واليقظة والاستجابة للتهديدات، ويمنح بالتالي "للمؤسسات الحدودية" قدرة أكبر على التحكم في المجال الحدودي.
غير أن هذا التحول، يثير في تقديرنا تساؤلات جوهرية بشأن موقع الإنسان داخل هذه المنظومة الحدودية الجديدة، بما يستدعي منا الوقوف عند البعد الإنساني الذي ينبغي أن يؤطر ممارسات العمل الحدودي.
البعد الإنساني في ممارسات العمل الحدودي بين مقتضيات الحماية وإكراهات الرقمنة الأمنية
يبدو أن الاستحداثات التكنولوجية قد أعادت تعريف الكفاءة الأمنية في إدارة الحدود، ولا شك أنها في المقابل قد أفرزت إشكالا أكثر عمقا يتصل بموقع الإنسان داخل المنظومة الأمنية الجديدة. كما لم يعد البعد الإنساني مسألة أخلاقية مجردة، بل أصبح كذلك معيارا جوهريا لقياس مشروعية الممارسة الحدودية ومدى اتساقها مع المبادئ القانونية والقيم الكونية لحقوق الإنسان.
إن الحدود إلى جانب أنها فضاءات لضبط الحركة ومراقبة التدفقات البشرية، أضحت أيضا المجال الأول الذي تتجسد فيه علاقة الدولة بالفرد، حيث تتقاطع مقتضيات السيادة مع "مقتضيات الكرامة الإنسانية"، وتتداخل اعتبارات الأمن الوطني مع الالتزامات القانونية والأخلاقية التي تفرضها المواثيق الدولية.
في ذات السياق، تسهم الاستحداثات الأمنية في نقل العمل الحدودي من الاحتكاك المباشر بالإنسان إلى التفاعل مع بياناته البيولوجية والرقمية، فأصبحت "الهوية" تختزل في بصمة أو صورة قزحية أو نموذج خوارزمي قادر على تصنيف الأفراد وتقدير مستويات الخطورة المحتملة. فرغم ما توفره هذه التقنيات من سرعة ودقة في اتخاذ القرار، فإنها تثير جملة من الإشكالات المرتبطة بحماية الخصوصية، وضمان سرية المعطيات الشخصية، والحد من التمييز الخوارزمي، وتوفير الضمانات القانونية الكفيلة بمراجعة القرارات الآلية، خصوصا عندما تمس حقوقا أساسية كحرية التنقل، وحق اللجوء.
يزداد هذا التحدي تعقيدا عندما تتحول التكنولوجيا من أداة لمساندة القرار الأمني إلى سلطة شبه مستقلة في إنتاجه، بما قد يؤدي إلى تراجع "تقدير الإنسان" لصالح "الحسابات/الضرورات الرقمية" المجردة. فيغدو بالتالي الفرد موضوعا للتحليل الإحصائي أكثر منه ذاتا قانونية، يتمتع فيها بحقوق وحريات غير قابلة للتجزئة.
لهذا لا ينبغي لتلك الممارسات الأمنية الجديدة أن تبنى على منطق الفعالية التقنية وحدها، وإنما أيضا على معادلة دقيقة تجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا بديلا عنه، وتؤسس لممارسات حدودية تستند إلى "مبادئ الضرورة القصوى"، والتناسب والمساءلة.
نحو مقاربة متوازنة لتأهيل العمل الحدودي في ظل التحول التكنولوجي
إن الرهان الحقيقي الذي تفرضه الاستحداثات التكنولوجية يكمن في بناء نموذج متوازن للعمل الحدودي، جاعلا من التكنولوجيا وسيلة لتحقيق الأمن، وليس غاية قائمة بذاتها. كما أن نجاح المنظومات الذكية في تعزيز كفاءة المراقبة وضبط المخاطر، يظل رهينا بقدرتها على الاندماج داخل إطار مؤسسي وقانوني وأخلاقي يحدد حدود استخدامها، ويمنع تحولها إلى أدوات للرقابة المطلقة أو إلى بديل عن التقدير الإنساني.
تأسيسا على ذلك، يبرز تأهيل وتكوين الموارد البشرية باعتباره المدخل الأكثر أهمية في إنجاح التحول الرقمي داخل المؤسسات الحدودية. إذ إن فعالية التكنولوجيا لا تستمد قيمتها من تعقيدها التقني، وإنما من كفاءة العنصر البشري القادر على تشغيلها، تأويل مخرجاتها وإدراك حدودها العملية والقانونية. كما أن الممارس للمراقبة الحدودية مطالب اليوم بامتلاك كفايات متعددة تجمع بين المعرفة الأمنية، والإلمام بالتقنيات الرقمية، واستيعاب الضوابط القانونية، والوعي بالمبادئ الحقوقية، بما يمكنه من اتخاذ قرارات تتسم بالدقة والشرعية والإنصاف في آن واحد.
في المقابل، إن استدامة هذا النموذج تقتضي تعزيز التعاون الدولي والإقليمي في مجالات تبادل المعلومات، وتوحيد المعايير التقنية، وتنسيق السياسات الحدودية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود التي تجاوزت قدرة الدولة المنفردة على احتوائها. غير أن هذا التعاون ينبغي أن يستند إلى قواعد واضحة تضمن احترام السيادة الوطنية، وحماية البيانات الشخصية، وصيانة الحقوق الأساسية للأفراد، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى أداة لإعادة إنتاج اختلالات القوة أو لتبرير ممارسات تتعارض مع مقتضيات العدالة وسيادة القانون.
إن مستقبل العمل الحدودي مرهون بالقدرة على إرساء معادلة دقيقة تتكامل فيها السيادة مع المسؤولية، والابتكار مع المشروعية، والفعالية الأمنية مع البعد الإنساني، بما يفضي إلى بناء منظومة حدودية ذكية تجسد أمنا رشيدا، يحمي الدولة دون أن ينتقص من إنسانية الإنسان، ويصون الحدود دون أن يهدر استراتيجيات وأهداف الدولة.
تنبئ الاستحداثات التكنولوجية عن تحول جذري في العمل الحدودي، إذ غدت منظومة ممارساتية تتشابك فيها التقنيات الذكية مع المقاربات الأمنية لإدارة المخاطر العابرة للحدود. لكن هذا التحول، على ما يتيحه من إمكانات واسعة في تعزيز الأمن الوطني والقومي، أمكن أن يفرز في المقابل تحديات قانونية وأخلاقية وإنسانية لا تقل أهمية عن التحديات الأمنية ذاتها، لكونه أعاد رسم العلاقة بين الدولة والفرد، وبين مقتضيات السيادة ومتطلبات حماية الحقوق والحريات.
إن الإجابة عن الاستشكال المطروح، يقودنا إلى القول بكون الاستحداثات التكنولوجية تمثل ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لتطوير ممارسات العمل الحدودي، ومواكبة ومواجهة التهديدات الأمنية المستجدة. لكن أن مشروعيتها وفاعليتها تظلان مشروطتين بإقامة توازن دقيق بين مقتضيات الأمن حقوق الإنسان، لذا فكلما اقترنت التكنولوجيا بضمانات قانونية ورقابة مؤسساتية ومسؤولية أخلاقية، وتأهيل بشري، تحولت إلى رافعة لتعزيز الأمن الإنساني والسيادة الوطنية في آن واحد.
--
تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.