Todas las ideas

العمل التطوعي كآلية لدعم مرتكزات الدولة الاجتماعية "مقاربة قانونية"

Unnamed
Blog
por
اسماعيلي فاطمة الزهراء
طالبة باحثة بماستر مهن العمل الاجتماعي في سياق التحول الرقمي
el13 de octubre de 2026

لم يعد العمل التطوعي في السياقات المعاصرة مجرد مبادرات فردية أو ممارسات تضامنية تلقائية، بل أضحى أحد مظاهر المشاركة المجتمعية وأحد مداخل تعزيز التماسك الاجتماعي والمساهمة في تحقيق التنمية. وقد ساهم تطور أدوار المجتمع المدني وتنامي الحاجة إلى إشراك مختلف الفاعلين في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية في الانتقال بالعمل التطوعي من المجال الخيري التقليدي إلى مجال أكثر تنظيما وتأطيرا، تتداخل فيه الاعتبارات الحقوقية والتنموية والمؤسساتية.

في المغرب، يجد العمل التطوعي سنده ضمن منظومة دستورية تقوم على المشاركة المواطنة، والديمقراطية التشاركية، والتضامن، والتنمية البشرية المستدامة. فقد أقر دستور 2011 دور جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية، كما جعل التنظيم الترابي قائمًا، من بين مرتكزاته، على التعاون والتضامن ومشاركة السكان في تدبير شؤونهم والمساهمة في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة. كما أقر إمكانية إحداث آليات تشاركية للحوار والتشاور على المستوى الترابي، بما يتيح مساهمة المواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها.  

 تكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة في سياق ترسيخ الدولة الاجتماعية، التي لا يمكن أن تقوم فقط على تدخل الدولة ومؤسساتها، وإنما تقتضي كذلك تعبئة مختلف القوى الاجتماعية والمدنية للمساهمة في الاستجابة للحاجيات الاجتماعية وتعزيز الاندماج والتضامن. وتؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط تنامي أهمية قطاع المؤسسات غير الهادفة للربح، الذي أصبح مكونا أساسيا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالنظر إلى قربه من المواطنين واشتغاله في مجالات متعددة، من بينها الخدمات الاجتماعية والتنموية والبيئية وتعزيز العمل التطوعي.

 في هذا السياق، شكل صدور القانون رقم 06.18 المتعلق بتنظيم العمل التطوعي التعاقدي محطة نوعية في مسار الانتقال من التطوع التقليدي إلى تطوع أكثر تنظيما وتأطيرا؛ إذ عرف المشرع العمل التطوعي التعاقدي باعتباره نشاطا طوعيا بدون أجر، يمارس بموجب عقد مكتوب بهدف تحقيق منفعة عامة، كما حدد مبادئه وحقوق والتزامات المتدخلين فيه وآليات تتبعه ومراقبته

وعليه تفرز لنا الإشكالية التالية: إلى أي حد استطاع الإطار القانوني والمؤسساتي المغربي تأطير العمل التطوعي بما يجعله آلية فعالة لدعم مرتكزات الدولة الاجتماعية

لذا سنركز بالأساس أولا على الأساس القانوني والمؤسساتي للعمل التطوعي وموقعه في دعم الدولة الاجتماعية، ثم الوقوف على التطوع التعاقدي باعتباره صورة حديثة للتأطير القانوني للعمل التطوعي ومدى قدرته على الإسهام في تحقيق الأهداف الاجتماعية والتنموية.

التأطير القانوني والمؤسساتي للعمل التطوعي ودوره في دعم مرتكزات الدولة الاجتماعية

 يجد العمل التطوعي بالمغرب أساسه ضمن مجموعة من المقتضيات الدستورية والتشريعية التي كرست المشاركة المواطنة ودور المجتمع المدني في الحياة العامة. فالدستور لم يتعامل مع مشاركة المواطنين والجمعيات باعتبارها مجرد إمكانية عرضية، وإنما أقرها ضمن منظومة الديمقراطية التشاركية، وربطها بإعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية. كما جعل التنظيم الترابي قائما على التعاون والتضامن وعلى مشاركة السكان في تدبير شؤونهم والمساهمة في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة

يعني ذلك أن العمل التطوعي يمكن أن يشكل إحدى الوسائل العملية لترجمة المشاركة المواطنة إلى مبادرات ذات منفعة عامة، خاصة عندما يتم تنظيمه من خلال مؤسسات المجتمع المدني وفي إطار من الشراكة مع السلطات العمومية والجماعات الترابية. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر بالنظر إلى تعدد المجالات التي ينشط فيها المجتمع المدني، والتي تشمل الخدمات الاجتماعية والتنمية والبيئة والتعليم والصحة وغيرها، وهي مجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع أهداف الدولة الاجتماعية. وتؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن المؤسسات غير الهادفة للربح أصبحت مكونا أساسيا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى قربها من السكان وقدرتها على الاستجابة لاحتياجاتهم 

من ثم، لا ينبغي النظر إلى العمل التطوعي باعتباره بديلا عن تدخل الدولة في المجال الاجتماعي، وإنما باعتباره آلية مكملة تمكن من توسيع دائرة الفاعلين في تنفيذ السياسات الاجتماعية، وتدعم قدرات الدولة والمجتمع على الاستجابة للحاجيات الاجتماعية، ولا سيما على المستوى الترابي.

كما يساهم العمل التطوعي في تعزيز قيم التضامن والاندماج الاجتماعي والمشاركة المواطنة، وهو ما يجعله مرتبطا بصورة وثيقة بمفهوم الدولة الاجتماعية. وفي هذا الإطار، يؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن تفعيل آليات المشاركة المواطنة ما يزال يحتاج إلى مزيد من التطوير، رغم التقدم الذي أرساه دستور 2011 في مجال الديمقراطية التشاركية وهو ما يجعل دعم العمل التطوعي وتوفير البيئة القانونية والمؤسساتية الملائمة لممارسته جزءا من الرهان الأوسع المتعلق بتقوية المشاركة المجتمعية في تدبير الشأن العام

 

 

التطوع التعاقدي كآلية حديثة لدعم مرتكزات الدولة الاجتماعية

يشكل القانون رقم 06.18 المتعلق بتنظيم العمل التطوعي التعاقدي انتقالا من مجرد الاعتراف العام بقيمة التطوع إلى إقرار إطار قانوني خاص بنشاط تطوعي يقوم على علاقة تعاقدية مكتوبة. فقد حدد المشرع العمل التطوعي التعاقدي في نشاط طوعي بدون أجر، يمارسه شخص خارج أسرته أو دراسته أو وظيفته أو شغله، بموجب عقد مكتوب مع الجهة المنظمة، بهدف تحقيق منفعة عامة. كما أخضع تنظيمه لمجموعة من المبادئ، من بينها الحرية والاستقلالية والتضامن والمساواة وعدم التمييز وصيانة كرامة المتطوعين وسلامتهم.  

تبرز أهمية هذا التأطير في كونه يسعى إلى تحقيق قدر من التوازن بين الطابع الإرادي والمجاني للعمل التطوعي وبين ضرورة حماية المتطوع وتنظيم العلاقة التي تربطه بالجهة المنظمة. ولهذا ميز المشرع صراحة عقد التطوع عن عقد التوظيف وعقد الشغل وعقد تقديم الخدمات، كما منع استعمال المتطوعين المتعاقدين لتعويض الموظفين أو الأجراء أو مقدمي الخدمات.

يمكن لهذا النموذج، متى توفرت له شروط الحكامة والوضوح القانوني والمؤسساتي، أن يشكل موردا بشريا واجتماعيا داعما للبرامج ذات النفع العام، خصوصا في المجالات المرتبطة بالتنمية المحلية والإدماج الاجتماعي وخدمة الفئات في وضعية هشاشة. غير أن فعالية التطوع التعاقدي لا تتوقف على وجود النص القانوني وحده، وإنما ترتبط كذلك بمدى قدرة الفاعلين والمؤسسات على توفير شروط الممارسة الفعلية، وضمان حماية المتطوع، وتطوير الشراكات بين الدولة والجماعات الترابية والمجتمع المدني.

من هذه الزاوية، فإن تطوير العمل التطوعي التعاقدي يقتضي تعزيز آليات التأطير والمواكبة والتقييم، وتوفير معطيات إحصائية منتظمة حول حجمه ومجالاته وآثاره، بما يسمح بقياس مساهمته الفعلية في التنمية الاجتماعية كما يقتضي توسيع مجالات الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني مع الحفاظ على الطبيعة الإرادية وغير الربحية للعمل التطوعي.

نخلص أخيرا الى أن العمل التطوعي بالمغرب انتقل تدريجيا من ممارسة تضامنية يغلب عليها الطابع التلقائي إلى نشاط أصبح يحظى بتأطير دستوري وتشريعي ومؤسساتي، بما يعكس تنامي الوعي بأهميته في تعزيز المشاركة المواطنة ودعم التماسك الاجتماعي والمساهمة في التنمية.

يشكل القانون رقم 06.18 المتعلق بتنظيم العمل التطوعي التعاقدي خطوة مهمة في هذا المسار، بالنظر إلى كونه أرسى إطارا قانونيا خاصا بالتطوع التعاقدي وحدد مبادئه وطبيعة العلاقة بين المتطوع والجهة المنظمة غير أن تحويل هذا الإطار القانوني إلى أداة أكثر فعالية في دعم الدولة الاجتماعية يظل رهينا بتعزيز آليات التنفيذ والمواكبة والتقييم، وضمان حقوق المتطوعين، وتطوير الشراكات بين المؤسسات العمومية والفاعلين المدنيين، إلى جانب إنتاج معطيات دقيقة ومنتظمة حول واقع التطوع ومساهمته الاجتماعية والاقتصادية.

بذلك، لا ينبغي النظر إلى العمل التطوعي باعتباره بديلا عن الوظيفة الاجتماعية للدولة، وإنما باعتباره رافعة تشاركية مكملة يمكن أن تسهم، في إطار قانوني ومؤسساتي ملائم، في توسيع دائرة الفاعلين في تحقيق التضامن والاندماج الاجتماعي والتنمية، بما يعزز مرتكزات الدولة الاجتماعية بالمغرب.

-- 

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.